اسماعيل بن محمد القونوي

520

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مجازا إلى الآخرة والمقصود منها بالذات هو الثواب ) العاقبة أي المحمودة وأطلقت لأن العاقبة الغير المحمودة كلا عاقبة فلذا لم يقيد بالمحمودة مع أنها المراد وإلى ذلك أشار بقوله وعاقبتها الأصلية هي الجنة الخ . قوله : ( والعقاب إنما قصد بالعرض وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء ) والعقاب إنما قصد « 1 » بالعرض « 2 » لأنه لم يجعل علة لخلق الدنيا والآخرة كالإثابة كان عقاب الكفرة داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم فالعاقبة تنصرف إلى الفرد الكامل وهو « 3 » العاقبة المحمودة والجنة الموعودة وإلى ذلك أشير في قوله : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [ القصص : 37 ] كما نبه عليه المص بقوله : لا يفوزون . عنه إلى الجنة ليست مقصودة بالذات بل هي مقصودة بالعرض أوجدها اللّه تعالى قنطرة إلى دار المجازاة بالأعمال وفي الكشاف قد وضع اللّه سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأراد بعباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير وما خلقهم إلا لأجله ليتلقوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق ومن عمل فيها خلاف ما وضعها اللّه له فقد حرف فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار قوله إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه هذا دفع لرجوع ثاني كلاميه على الأول بالنقض من حيث إن الأول لا يجوز وجود إله غيره والثاني يجوزه قال الطيبي رحمه اللّه ويمكن أن يقال إن الظاهر أن كلامه الأول كان تمويها وتلبيسا على القوم والثاني مواضعة مع صاحب سره هامان واثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون نفي العلم عنه من إشراف إلى انحدار قوله وهذا من خواص العلوم الفعلية فإن العلوم الفعلية مقدمة على وجود المعلومات فعدم تعلق العلم بها لعدم تحققها في أنفسها بخلاف العلوم الانفعالية فإنها إنما تتعلق بالمعلومات بعد وجودها ولا يتعلق أيضا بجميع المعلومات يجوز أن تتعلق بمعلوم دون معلوم فلا يلزم من انتفاء العلم الانفعالي انتفاء المعلوم إذ يجوز أن يكون المعلوم موجودا ولا يتعلق به العلم الانفعالي فلا يصح أن يراد بنفي العلم الانفعالي نفي المعلوم ويصح ذلك في العلم الفعلي فحين ادعى فرعون لنفسه الألوهية يجوز أن يزعم أن له علما متعلقا بالجميع ويتمسك بنفي علمه إلى نفي المعلوم ومن ثمة طغى وتكبر وقال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] وقال : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [ القصص : 38 ] ولم يقل اطبخ لي الآجر تعاظما كما قال من له العظمة حقيقة ومن تعاظمه نداؤه لوزيره باسمه وبحرف النداء وتوسيط ندائه خلال الأمر وبما ذكرناه خرج الجواب عن طعن صاحب الانتصاف في جعل نفي العلم في كلام فرعون عبارة عن نفي المعلوم بأن هذا لا يعم كل تعلق بمعلوم وقياسه على قوله تعالى : أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ يونس : 18 ] قياس مع فارق لأن هذا التعبير أي التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم لا يكون إلا في علم اللّه تعالى لعموم تعلقه بجميع المعلومات حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة وعلم

--> ( 1 ) أي بواسطة تحريف الكفار هذه العاقبة الأصلية بالكفر والمعاصي . ( 2 ) وهذا أولى مما قيل فإنه للتعريض إلى ما يوصل إلى الثواب بالإخافة منه فإن هذا بالنظر إلى الوعد والوعيد والكلام في نفس الثواب والعقاب لأنهما العاقبة . ( 3 ) والمراد بعاقبة الدار عاقبة أهل الدار وهو أن يختم بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى .